أشاع أشياع التغريب من بني جلدتنا ، عبر عقودٍ طويلة ، فكرةً مفادها (لا سبيل لنهضة الأوطان إلا باحتذاء حذو النموذج الغربي) .
ومردُّ هذه الفكرة معاينة ما عليه الغرب من بريقٍ علميٍّ تجريبيٍّ ، قاد مسيرتهم نحو ازدهارٍ اقتصادي ، وارتقاء اجتماعي لا ننكره . وفي المقابل يرى أمتنا على النقيض من ذلك ، وكفى .
ومثله في ذلك كمثل ظمآن في أرضٍ فلاةٍ ، وقت الهجيرى ، رأى سرابًا فحسِبه ماءً ، فجرى نحوه ليروي غُلَّته ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا . ولم يظفر سوى باللهاث ومأكلة الحسرات قلبَه .
إن سراب الحضارة الغربية يفتن العيون ويخاتل النفوس ، فلا يرى الرائي ماوراءه من وحوشٍ ضارية ، لا تملك الحدود الدنيا من القيم الإنسانية التي تجعل من جديلة العلم والمال حبلاً متينًا يقود سفائن الأمم نحو بحارٍ هادئةٍ مطمئنةٍ تهفو عليها نسائم رحمة الإنسان بأخيه الإنسان ، وتهدهد أكنافَها سبلُ السلام نفوسًا ومجتمعات .
وهذا ما تذخر به حضارتنا العربية التي قوامها الأول منهج دين يؤكد أنه :
لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
و أن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وأن الراحمين يرحمهم الله ، وأن للدماء والأموال والأعراض حرمةً كحرمة البلد الحرام في الشهر الحرام … وأن … وأن … وأن … .
إن هذه القيم الإنسانية هي التي تكفل للموجود البشري أن يكون إنسانًا مكرمًا كما أراده الله . وغيابها يجعل الإنسان مجرد موجودٍ حيوانيٍّ شرسٍ يُخْشَى منه على كل الموجودات .
فليُفِقْ أهلونا من المتغربين ، فحضارةُ الغرب حضارةٌ كسيحةٌ بجناحٍ واحدٍ ، لاتقدر أن تحلق ؛ لتنشر نموذجها على عقلاء العالم ، وإنما أنتم الذين تروجون لها بنظرتكم القاصرة .
الحضارة الغربية اخترعت كل مايريح الإنسان ، لكنها نسِيت أن تخترع للإنسان ضميرًا يكون به إنسانًا حقيقًا بالإنسانية .
