كثيرٌ مما يغمُض على الإنسان فهمه ، ويستعصي تصورٌه يكون مردُّه إلى عدم وعيه بغايته ابتداءً ، ثم بكيفية حصول هذه الغاية وتحققها انتهاءً ، وهما ، الغاية والكيفية ، ما يتحقق بهما الجواب عن السؤالين الأبرزين : لماذا …؟ و كيف …؟ ، وبالجواب عنهما تتضح فلسفة ذلك الغامض الصعب في أفهام المتلقين ، فلايرون فيه بعدُ غموضًا ولا استعصاءً .

ومما يصدُق عليه هذا المقال مصطلح الإعراب الذي يكثر دورانه في ملتقيات الدرس اللغوي بعامة ، والنحوي بخاصة ، فيصيب العقول بالصداع ، والصدور بالهلاع ، وما ذاك وذياك إلا تبعة من توابع عدم الوعي بفلسفة الإعراب .

والإعراب لغةً هو الإبانة والإفصاح والكشف ، فـــ(الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها) ، وأعربت عن سروري أي أفصحت وكشفت عنه ، أي لم أخفه عمَّن حولي .

و من المعلوم عند أهل العلم أن الكشف والإفصاح عن المعنى المفهوم للكلام لا يتوقف عند انكشاف معاني المفردات ، وإنما يتطلب ، مع فهم معاني المفردات ، فهمَ العلاقات التي يقيمها المتكلم بين الكلمات بداخل التراكيب ، فجملة مثل : (هددنا العدو) جملةٌ يتوقف فهمها على الكشف والإفصاح عن العلاقات التي يريدها المتكلم بين هذه الكلمات الثلاث (هَّدد ـــ نا ـــ العدو) ، والتي تعين على الكشف عنها العلامات الكاشفة أصليةً كانت أو فرعية ، إعرابيةً كانت أو بنائية .

فإذا نطق المتكلم الجملة السابقة بتسكين آخر (هدَّد) ونصب آخر (العدو) كشف ذلك أن المتكلم أراد أن يقيم علاقة فاعلية بين (هدد ) و(نا) ، وأراد أن يقيم علاقة مفعولية بين (هدد) و(العدو) وهذه العلاقات تُعرب وتكشف عن معنى مفاده : نحن الذين يقع منا التهديد على العدو . أما إذا نطق المتكلم فاتحًا آخر (هدَّد) و رافعًا آخر (العدو) فإن ذلك يكشف عن أن المتكلم أراد أن يقيم علاقة مفعولية بين (هدد ) و(نا) ، وأراد أن يقيم علاقة فاعلية بين (هدد) و(العدو) ، وهذه العلاقات تكشف عن ممعنًى مضاد للمعنى الأول ؛ فالعدو هو الذي يقع منه التهديد علينا .

فعندما أقول بأن (نا) في الجملة الأولى فاعل ، و(العدو) مفعول ، فإنني بذلك أكون قد كشفت عن المعنى المراد أو قل أعربت عن المعنى المراد ، الذي هو معنًى يضاد المعنى في الجملة الثانية التي أعربت فيها (نا) مفعول به ، و (العدو) فاعل .


فالإعراب إذن هو الكشف عن المعاني الوظيفية التي تتجلى من خلال فهم العلاقات بين الألفاظ بداخل الجمل ، بمعونة قرائن مختلفة في مقدمتها العلامات التي تسمى العلامات الإعرابية ، أي التي تكشف عن المعاني الوظيفية والعلاقات بين الكلمات التي تسمى العلاقات النحوية أو العلاقات التركيبية .

هذه هي غاية الإعراب ووظيفته وأهميته ، أما كيفيته ففيها إجمال وتفصيل نرجو الله أن يعيننا علي بيانها في المقالات القادمة .

Fediverse reactions

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *