من المسائل العقدية التي يغفل الوعيَ بها كثيرٌ من الناس الفرقُ بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهيَّة ، مع ما لهذا الفرق من عظيمِ أثرٍ في وعيهم بحقيقة الإيمان .
فلا يتحقق الإيمان بمجرد إدراك أن وراء هذا الكون خالقًا ، هو الذي يرزقنا ، ويطعمنا ، ويسقينا ، ثم يميتنا ، ثم يحيينا .
فهذا الإدراك كان يقرُّ به المشركون ، كما حكى عنهم ربُّ العزة في كتابه المبين : (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولُنَّ الله) (لقمان25) . (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولُنَّ الله) (الزمر38) ، بل إنهم أقروا على أنفسهم بقولهم : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا الله زلفى)(الزمر3) ، وهذا الذي كان يدركه المشركون هو توحيد الربوبية .
فتوحيد الربوبية هو أن يؤمن الإنسان بتفرُّد الله تعالى بصنع كلِّ ما في الوجود ، من خلقٍ وإطعامٍ ، وإسقاءٍ ، وإماتةٍ ، وإحياء .
أما توحيد الألوهية فهو أن يصرف الإنسان كلَّ أفعاله من عبادةٍ ، وطمعٍ ، ورجاءٍ ، وخوفٍ ، ومحبةٍ ، وتوكلٍ … إلى الله وحده من دون غيره من المخلوقات .
فتوحيد الربوبية ينشأ عن إدراك ما هو هابطٌ من الله إلى الإنسان ، وتوحيد الألوهية ينشأ عن توجيه ما هو صاعدٌ من الإنسان إلى الله .
لذلك يقول العلماء : توحيد الربوبية طريق المعرفة ، وتوحيد الألوهية طريق النجاة ؛ فبه يتحقق الإيمان المنجي من النار ، وبه تكون الهداية من الله (ومن يؤمن بالله يهدِ قلبَه)(التغابن11) .
