من أوجاع القلوب
من الواضح أننا نحن ، العرب ، ألِفنا أن يُقدّم لنا كلُّ منجَزٍ حياتيّ جاهزًا معدَّا بأيدي غيرنا ، وعقولهم ، ووجدانهم إن تطلب الأمر .
كنا نظنُّ في فترة من فترات الزمن أن الأمر مقصورٌ على ما تقدمه لنا قرائح العالم من مخترعات خدمية ، كالسيارات وأجهزة الاتصال والحواسب وغيرها ، أو ما يقدمه علمهم من اكتشافات طبية وهندسية وإنسانية …
وكان الغيورون منا ينعَون ذلك وفي الصدر منهم حزازٌ من الهم حامز ، وكمدُ القلب من العيون بارز .
لكن ما لم يكن يعلمه هؤلاء الحزانى أن الأمر لم يقتصر على ذلك الوهَن في حياتنا ، فأمتنا عندما أرادت أن تحتفي بلغتها الخالدة استوردت ، كما تستورد كل شيء ، اليوم الذي نظرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة بعين الرضا إلى لغتنا ، لتعترف بها لغةً رسميةً من ضمن لغات ست ؛ لتكون لغة العمل الرسمية والاتفاقيات على مستوى العالم وبداخل أروقتها .
وكان هذا اليوم هو الموافق ليوم الثامن عشر من شهر ديسمبر من عام ألفٍ وتسعمائة وثلاثة وسبعين .
ولا ننكر عليهم ذلك التكريم الذي له العربية أهل ، ولمكانتها أليق ، فَجُزُوا عنا خير الجزاء .
ولكن ما ننكره أننا أَخَذَنا الوجومُ نحو تكريم لغتنا والاحتفاء بها حتى أتانا ، من غير بني جِلدتنا ، من يكرم لغتنا ويحتفي بها ، ويضع بعين اعتباره مكانتها ، ونحن ليس لنا إلا أن نكون لهم تبعا .
ولو فكرنا قليلا لعرفنا أن الله جل في علاه ، كرم اللغة العربية ، وأشار ضمنًا إلى كونها لغة شريفةً ، بجعلها لغة كلامه جل جلاله قرآنًا يُتْلَى إلى يوم الدين ، لغةً تَسَعُ مرادات الله من خلقه ، لغةً يتقرّب بها العبد من ربه . ولولا الدين وفي القلب منه القرآن ما صمدت العربية إلى الآن ، لاسيَّما في ظل أمةٍ خائرةٍ ضعيفةٍ لا ترفع لغتها بأي إنجاز تقدمه للبشرية .
فكان أحرى بنا نحن ، العرب ، أن نفكر قليلاً ، لنجعل يوم نزول أول آية من القرآن ، هو يوم تكريم العربية ، وتشريفها ، والاحتفاء بها ، وبشهادة رب العالمين بقدرها .
إنه يوم العاشر من شهر أغسطس سنة ستمائة وعشر للميلاد . إنه اليوم الذي نزلت فيه أولى آيات القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ، وذلك وفْقَ ما قرره أكثر المفسرين .
ولنتذكر دائمًا أن (من أهدى ابنتك حنينًا دونك فقد أهانك ، فأنت أولى من غيرك بالحنين على ابنتك ) .
