أيُّ جلالٍ يمكن أن يستولي على قلب المرء نحو دنيا تحمل بين ثنايا أيامها حيثيات حقارتها ؟؟!!!
أيامها تسرق أعمارنا ، وتأخذنا في رحلة نهايتها قبرٌ تحت تراب .
تهدينا أثناءها قوةً ، ثم تسلبها منا وتهديها لمن بعدنا ، ثم تسلبها ممن بعدنا ، وتمنحها لغيرهم وهكذا ، فتستحيل القوة ضعفا لامحالة .
تهدينا جمالا ، ثم تلقي عليه شركًا من تجاعيدَ ، لايفتأ يورثنا حسرات إلى أن تنتهي رحلتنا معها .
تهدينا ذكاء ، يتحطم على عتبات الطعون في السن .
تهدينا مالا ، ينفد لامحالة في تلبية أغراض تنتسب إليها ، ثم تسلبه منا إما بضعفنا ، وإما بقوتها .
لست واعظًا ولا شيخًا زاهدًا ، كما ينبغي ، ولكني اكتشفت أن من ينكفئ على ذاته ، ويغلق عينيه إلا على تلكُمُ الدنيا وذلكمْ حالُها ، فقدْ دلّ بهذا على ضعف بصيرةٍ جعلته يبيع حياة خلود ، فيها القوة بلا ضعف ، والجمال بلا قبح ، والذكاء بلا بلادة ، والرفاهة بلا نفاد ، يبيع كل هذا من أجل مالٍ ينفد ، وذكاء يبلد ، وجمالٍ يقبح ، وقوةٍ تضعف ، يبيع حقيقة الخلود في الحياة اللاحقة ، بزيف دنيا كل ما فيها عرضة للتغير والفناء .
أما أقوياء البصيرة فإنهم متفتحة بصائرهم ، يرون حقيقةَ الدنيا الزائفةِ المتغيرِ كلُّ مافيها ، فلا يأخذون منها إلا ما كان عونًا لهم للظفر بدار خلود لاتفنى .
وأحسبهم المتقين في كلام ربنا :
“وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ”
لعب ولهو … لعب ولهو … لعب ولهو
وأظن كما نظن جميعًا أن أيَّ لعب ، وأيَّ لهو ، مصيره إلى الزوال ، إما لملل اللاعب واللاهي ، وإما لفناء الملعوب والملهو به ، وإما لانتهاء زمن اللعب واللهو .
