دأب الدرس النحوي لاسيما في العصر الحديث على الفصل بين المبتدأ والخبر عنوانين منفردين منفصلين عن بعضهما سواء في المصنفات النحوية أو في المحاضرات العلمية ، لكنني آثرت الجمع بينهما ؛ باعتبارهما صنوين لا ينفصلان مطلقًا ؛ فبهما يكون الملفوظ كلامًا يحقق فائدة للمتلقي ، فهما ركنا الجملة الاسمية ؛ وبهما يتحقق الإسناد ، الذي يشير في أصل وضعه إلى وجود مسندٍ ومسندٍ إليه معًا ، فلا إسنادَ بمسندٍ دون أن يُتَصَوَّرَ معه مسندٌ إليه .
والإسناد هو إسناد معنًى لمعنًى آخر ، فيكون أحدهما مسندًا إليه معنًى ما ، فيصير هذا المعنى هو المسند ، بيان ذلك أن قولك (زيد مجتهد) ، تركيب بسيط من كلمتين تعبران عن معنيين ، معنى الاجتهاد ، الذي قام المتكلم بإسناده ، بنسبته ، إلى معنى (زيد) ونقصد بمعنى زيد حقيقته ، لا لفظَه عقلاً . ونعبر عن ذلك بقولنا : أسندنا الاجتهاد إلى زيد ، فالاجتهاد مسند ، وزيد مسندٌ إليه .
والشروط التي يجب أن تتحقق في المبتدأ هي أن يكون :
ــ اسمًا : ليس فعلاً ولا حرفًا ، صريحًا نحو : (الصوم عبادة نافعة) ، أو مؤولاً نحو (أن تصوموا خير) ،
ــ عاريًا من العوامل اللفظية : أي متجردًا من كل ما ينسخ حالته الإعرابية أو حالة صنوه الخبر أو حالتهما معًا ، مثل : كان وأخواتها وإن وأخواتها وظن وأخواتها وكاد وأخواتها ، ويستثنى من ذلك حرف الجر الزائد فإن وجوده في حكم العدم ، وعليه يُعرب الاسم بعده مبتدأ نحو (بحسبِك عشرون جنيه) ، فكلمة (حسْب) مبتدأ مع دخول الباء عليها ؛ وذلك لكون الباء حرف جر زائد ، حذفه لايؤثر في أصل المعنى .
ــ مسندًا إليه معنًى : وهذا المعنى هو معنى الخبر ، لذلك يعبر بعض النحاة عن هذا الشرط بعبارة : (مخبَرًا عنه) ، أو (محكومًا عليه بالخبر) .
وقد يأتي المبتدأ وصفًا بعد نفي أو استفهام ، وحينئذٍ يكتفي بمرفوعه سادًّا مسدَّ الخبر كما في : (أقائم الرجلان ؟ ماقائمٌ الرجلان.) .
ــ معرفةً وهو الأصل أو نكرة مفيدة : هذا الشرط يرتبط بالشرط السابق ، حيث إن المبتدأ مادام سيُسندُ إليه معنى الخبر ، فإنه يلزم أن يكون معروفًا أو يحقق إفادة ؛ إذ لامعنى لإسناد معنًى لمجهولٍ نكرة . فإذا جاء المبتدأ نكرة على غير الأصل لابد من كونها نكرة مستساغة غير منكورة ، وهذا يحدث إذا كانت في سياقها مفيدةً .
أما الشروط التي يجب أن تتحقق في الخبر :
فأبرزها وأهمها ، الذي من دونه لا يكون اللفظ خبرًا ، هو تحقيق الإفادة مع المبتدأ ؛ فالمبتدأ من دون الخبر لا يحصل به معنى تام ، ولذلك يُعْرَفُ الخبر بالسؤال عن المبتدأ : (ماله ، ماشأنه ، ماذا عنه) ليكون الجواب هو الخبر مفردًا كان أو جملةً أو شبه جملة .
نحو : محمدٌ رسول الله ، محمدٌ الصادق الأمين كما شهِد له قومه ، ليس بشاعر ولاكاهن ، و قومه أنفسهم يوقنون بذلك ، وذوو الإنصاف منهم في صراعٍ دائم مع ضمائرهم . وكلمة الحق فوق كلمة الباطل مهما حاول المعاندون .
أمثلة وشواهد على ركني الجملة الاسمية المبتدأ والخبر :
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور .
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى
أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ في حده الحد بين الجد واللعبِ
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
الخيرُ خيرٌ وإن طال الزّمان به والشّر أخبث ما أوعيتَ من زاد
قلبي يحدّثني بأنّك مُتلفي روحي فداك عرفتَ أم لم تعرف
الحبُّ ليس روايةً شرقيّةً بختامها يتزوّج الأبطال
وللحديث بقية إن شاء الله …
د
