لا جرم أن الشعور بصعوبة النحو العربي يعتري متعلمي اللغة العربية في العصر الحديث ، ولا جرم كذلك أن أعداء هذه الأمة والكارهين لنهضتها يهتبلون هذا الشعور البريء نُهْزَةً ينهشون بها جسد النحو العربي ؛ ينفرون منه أبناء العروبة ، بدعوى جموده عن مسايرة العصر ، ومن ثم وجوب هجرانه ، ويتلقف بعض النبلاء من مثقفينا ، ويكررونها تكرار التلميذ لما يقول أستاذه .
وقد علم أولئك الخبثاء من أعداء هذه الأمة ، وما علم هؤلاء النبلاء من أبناء هذه الأمة أن فصل النحو عن لغة هذه الأمة هدمٌ لهذه اللغة بادئ بدء ، ثم ضعفٌ لهُويَّتها ،ثم سلْخٌ لأبرز موائز شخصيتها وانتهاءً بمسخٍ لماهيتها ، فلا ترى بدًّا من تبعية العبد لسيده ؛ إذ إن هذا السيد حينئذٍ يكون ذا ظهورٍ حقيقيّ في الحياة ، واضح المعالم ، بارز الهُويَّة ، مائز الشخصية ، بفضل حفاظه على لغته وتاريخه وتراثه .
ولكن ما نأسى له أشدَّ الأسى هو غفلة أبناء الأمة العربية عن هذه الحقيقة التي أدركتها كل الأمم المتحضرة التي لديها الاستعداد التام لبذل النفس والنفيس في سبيل أن ترتقى لغتُهم مرتقًى يُعْلى من شأن أبنائها ومجتمعاتها .
والأمثلة على ذلك كثيرة يكفى أن نشير إلى تجربة اليهود في إحياء لغتهم من موات ؛ إيمانًا منهم بأن إحياءها إحياءٌ لهم وجمعًا لهم من شتات . والتجربة الفرنسية التي حرَّم وجرَّم الفرنسيون فيها استعمال أي لغة أجنبية على لافتات المحلات والمراكز التجارية ، وأخيرًا ما أصدرته المستشارة الألمانية من قرار يُرحَّل بمقتضاه كلُّ من يستعمل غير اللغة الألمانية من الأجانب المقيمين بألمانيا .
وفى المقابل نذكر الدور الخبيث الذى كانت تلعبه الدولُ الطامعة في الهيمنة وبسط النفوذ على غيرها من الدول ، من سعيٍ دءوبٍ نحو إقصائها عن لغتها وإحلال لغاتها محلها ، أو قل : نحو إقصائها عن شخصيتها المتميزة ، لتذوب في لغة الآخر وثقافته وفكره ؛ فتموت بداخلهم نخوة المقاومة للمحتل ، وحمية الانتماء للوطن والدين والأهل ، هذا فضلاً عن ضياع الذات الثقافية المائزة لكل أمة .
والأمثلة أيضًا على ذلك كثيرة منها محاولات الأتراك إحلال لغتهم وإقصاء اللغة العربية في قلب الوطن العربي ، كذلك محاولات إنجلترا في مصر ، وفرنسا في الجزائر وبلاد جنوب أفريقيا ، وإيطاليا في ليبيا وغيرها .
لهذا صار من الفروض في هذا العصر الذى تتزاحم فيه الثقافات وتختلط فيه المعارف والمعلومات أن نتمسك بلغتنا وأن نستظل بظلها حتى تكون رسولنا بين الأمم تحمل ثقافتنا إلى الآخر ، وترسخ انتماءنا إلى ذواتنا .
ولمَّا كان النحو العربيُّ أداةً أساسية للتمكن من اللغة العربية ؛ إذ هو نظام اللغة الذى به يستطيع العربيُّ أن يتكلم بشكل سليم يصله بتراثه ويدعم هويته الثقافية ، ويكتب بشكل صحيح يرفع عنه معرَّة الخطأ في لغته ، ويفهم بشكل عميق يجعله يدرك الدلالات العميقة لما يمرُّ على عقله …
لمَّا كان النحو كذلك تعيَّن علينا البحث في سبل عرضه عرضًا يتناسب مع غايته ، ويُلْقي القيود عن كاهله ، فيجذب إليه الراغبين في تعلُّمه .
ونرى أن هذه القيود التي أحاطت بجسد النحو ، ثم صارت اتهامات ألصقت به إلصاقًا ، إنما يحمل إصرها المعلمون والمتعلمون معًا ، الذين أوجعوه ابتداء بمجموعة من الأوجاع ، آلت به إلى ما آل إليه من كونه دائمًا في دائرة الاتهام عند أعدائه ، أو على أقل تقدير تحت مِبْضَعِ التجريح ، والدعوة المستمر لإجراء عمليات تقويم وتجميل وإعادة بناء وإعادة صياغة بل وإلى عملية بترٍ كلي للنحو… إلى آخر هذه الادعاءات التي ترجع في نظري إلى غياب إجابات عن الأسئلة الآتية :
لماذا نعلِّمُ النحو ؟
لما يزل كثيرٌ من معلمي النحو والمتخصصين فيه ـ وللأسف الشديد ـ لا يعرفون الغاية التي يعلَّمون النحو من أجلها ؛ حيث يقصرون هذه الغاية على إعراب الكلمات دون إدراك لأثر الإعراب في الفهم و الإفهام سواء بالكتابة أو الكلام .
وهم لغياب هذا الوعي ، ولعدم وضوح الغاية أمام أعينهم صاروا يضعون مواد علمية في كتبهم التعليمية ، لا تفيد اللغة في شيء ، فهم يجعلون من كتبهم في النحو حَلْبَةً يستظهرون فيها قوتهم في حشد القواعد والآراء والخلافات التي تبدو فيها بعض الآراء مجافيةً كل الجفاء للسليقة اللغوية السليمة ، وكأنهم يصرون أن يشعروا المتعلم بأن تعلم النحو يُبعده عن سليقته اللغوية حتى وإن كانت سليمة .
فمثلاً : يتناول بعض المعلمين حديثًا منقولاً من كتب الأقدمين عن تأنيث الفعل مع جمع المذكر السالم ومع جمع المؤنث السالم ، يعرضُ فيه خلافًا نوجزه في اتجاهات ثلاث :
الأول : يوجب التذكير مع جمع المذكر السالم والتأنيث مع جمع المؤنث السالم ، فنقول : حضر المعلمون وحضرت المعلمات.
والثاني : يجوِّز التذكير مع جمع المؤنث السالم ؛ وبناءً عليه يجوز أن نقول : حضر المعلمات على تقدير : (جمع) .
والثالث : يجوز التأنيث مع جمع المذكر السالم والتذكير مع جمع المؤنث السالم فيجوز أن نقول : حضرت المعلمون وحضر المعلمات ، ويقدرون الأولى : بـ(جماعة) والثانية : بـ(جمع) .
ويبدو ما في الاتجاهين الثاني و الثالث ، مع جوازهما ، من مجافاةٍ لفطرة طلاب النحو ، والمألوف من لغتهم ، وغوصٍ بهم في تلافيف التقديرات والتأويلات التي تحاول لىَّ أعناق فطرتهم السليمة ، وتُغْرِبُ عليهم لغتهم .
ثم نطالبهم بعد ذلك بإتقان اللغة كلامًا وكتابة فهمًا ، كيف ونحن نزاحم الكلام الصحيح الفصيح بزخَمٍ من الآراء ـ التي قد تكون صحيحة وهى كذلك بالفعل ، ولكنها لا تناسب لغتهم وتجافى طبعهم وتجعلهم مثارًا للسخرية والاستهزاء.
إن هذه الآراء المتعددة تناسب أهل الاختصاص الذين يحتاجون إلى وصفٍ دقيقٍ للغة في عصورها الأولى ؛ حتى يبنوا ما يبنون من أحكام على اللغة بدقة بالغة . وأظن أن هذه غايةٌ لا تعني المتعلمين للغة في التعليم الجامعي أو قبل الجامعي من قريبٍ أو بعيد .
وعلى هذا يتعين على المعلم أن يحدد غايته من تعليم النحو بداءةً : فإن كان يريد جعل النحو مطيَّةً يبرز بها ثقافته الواسعة بكل صغيرة وكبيرة في النحو العربي ، ومسرحًا يستعرضون عليه إمكاناتهم في رصد الآراء والخلافات والتفصيلات الدقيقة ، إن كانوا يريدون ذلك فقد يتحقق لهم ولكن على حساب ارتباط الطالب بالنحو علمًا يتغيَّا ابتداء معرفة كيف يكون الكلام .
نعم قد يتعلم الطالب الآراء المختلفة في المسألة النحوية والآراء والخلافات ولكنه لن يستطيع أن يقيم جملة صحيحة عند الأداء اللغوي التطبيقي .
أما إن كان يريد أن يستخدم الطالب اللغة بشكل سليم وجميل قراءةً وكلامًا وكتابةً وفهمًا ، فعليهم بالمقاربة بين التوجيهات النحوية والأداء الفعلي للغة الطالب ، وذلك بتأكيد صحة ما ينطقه ـ إن كان صحيحًا بالطبع ، دون تشويشه بآراء وتوجيهات أخرى ، قد تكون صحيحة ، ولكنها غير مألوفة في الاستعمال .
ولنعلم جميعًا أن تحديد المعلم للغاية التي يريد لأجلها تعليمَ النحو ، أو قل تحديد نيته وهم يعلم النحو ، هو الذى سيشكل طبيعة المادة المعروضة في كتب النحو التعليمي ، التي ستلقى على مسامع المتعلمين .
بماذا نعلِّم النحو ؟
اعتاد كثير من المتخصصين والمعلمين للغة العربية أن يعلموا النحو للطلاب من خلال القواعد النحوية ، فهم يعرضون القاعدة ويشرحون جزئياتها وتفاصيلها بدقة شديدة ، ثم يستعينون على إيضاح القاعدة بمجموعة من الأمثلة التي لا تخلو من صنعة وتكلف ، فهي من قبيل : ضرب زيدٌ عمرًا ، وما أضرب زيدًا لعمرو ، وزيد منطلق وعمرو مهذب … وهكذا .
وهى أمثلة كما نرى محدودة ومصنوعة ومتكلفة ، وليس هذا بغريب فالمثال أو النص هو وسيلة ـ وليس غاية ـ لتثبيت القاعدة عند أصحاب هذا الاتجاه ومن ثم لا يراعى اختيارها أو الاهتمام بها .
والحقيقة أن هذه الطريقة طريقةٌ لا يرجى من ورائها خير أو نفع لدارس العربية فضلاً عن غيره ؛ لأنها تقلب الغاية من دراسة النحو ، فتصير قواعد النحو غايةً يُسْعَى إليها في ذاتها ، في حين تنزوي الغاية الحقيقية لدراسة النحو ، ألا وهى معايشة اللغة قراءة وكتابة وفهمًا ؛ وهذا لن يتأتى إلا إذا عُرِضت قواعد النحو من خلال اللغة ونصوصها الأدبية المنتقاة عَبْر عصور العربية المتعاقبة ، حيث يكون العرض بيانًا لأثر هذه القواعد في تحقيق المعنى الأساسي للكلام ومن بعده المعنى العميق للكلام ـ ما بين السطور ـ ومن ثم يتجلى أثر المعطيات النحوية في الكشف عن جماليات الأسلوب اللغوي ، فيسعى المتعلم بعد ذلك إلى محاكاة هذه الأساليب الراقية التي تلقاها باستحسان واستمتاع يحفزانه على هذه المحاكاة التي تتضمن الحفاظ على القواعد ، وبذلك يكون المتعلم قد استحضر قواعد النحو من خلال النصوص الأدبية الماتعة وليس العكس ، وليكن شعارنا فى هذا الصدد هو : (النفاذ إلى القواعد من خلال النصوص وليس النفاذ إلى النصوص من خلال القواعد) .
ماذا أعددنا لخدمة النحو ؟
لم يضطلع كثيرٌ منا ، نحن المتخصصين في النحو ، بمهامه تُجاه هذا العلم ، فلم نُعِدَّ له ما يخدمه ، كما صنع الغرب مع لغاتهم ، فأين مثلاً البرامج الحاسوبية الخادمة لهذا العلم ، التي أقل ما يمكن أن تصنعه هو صناعة بنك أمثلة وشواهد من عيون الأدب العربي ، يمتاح منها المعلمون ما يشاءون من أمثلة خادمة للقواعد ؟؟
أين استعانة المعلمين ببعض المناهج الحديثة كالمنهج الوظيفي والتداولي ، للربط بين التراكيب ووظائفها الدلالية ، وتفعيل التفاعل بين التراكيب وسياقاتها التداولية ، مما يفرض على المعلم خلق مشاهد تمثيلية تعبر عن سياقات التراكيب ؟؟
ثم أين تمكين قيمة القراءة من المتعلمين ، تلك القيمة التي لن تُجديَ ، مع غيابها ، أيُّ محاولة لتعليم النحو بوصفه أداة لاكتساب اللغة ؟؟
ولنعلم جميعًا أن النحو نظام اللغة وليس اللغة ، والقراءة فيه وحده لا تكفي لتحقيق أغراضه نطقًا وكتابًة وفهمًا ، وبناء على هذا لا يمكن فهمُ أي نظام وإتقانُه إلا بالاطلاع الكثير على ما يتجسد به هذا النظام ، واللغة مكتوبةً أو مسموعةً هي جسدُ النظام النحوي ، بملامحها تتجلى ماهية النظام وتتضح خصائصه .
إن غياب الإجابات عن هذه الأسئلة دفعت النحو إلى أن يصير كالطفل الذي أهمله أهله ، ولم يحسنوا تقديمه للمجتمع ، فلما برز عليه أدران الإهمال ، وآثار الأوهاق التي طالما قُيِّدَ بها ، عافه أهله ، وازدراه مجتمعه ، ثم رموه بالنشوز والشذوذ عن عصره ، ولا جريرة له في ذلك إلا أنه وقع بين سندان أهله ، ومطرقة مجتمعه .
