إن لغة عبرت الزمان ، وتجاوزت أكثر من خمسة عشر قرنا ، ولا زالت شابةً فتيةً، تُعلّم أبناء القرن الحادي والعشرين الغزل من مثل قول شاعرها القديم (ابن الرومي) :
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ** ثم انثنت نحوي فكدت أهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ** وقع السهام ونزعهن أليم
ومما دهتني دون عيني عينها ** لكن غب النظرتين وخيم
وتٌعلّم أبناء القرن الحادي و العشرين الوصف من مثل قول شاعرها القديم في وصف الربيع (البحتري) :
أتاكَ الربيع الطلقُ يختال ضاحكًا من الحُسن حتى كاد أن يتكلَّما وقد نبَّه النيروز في غسقِ الدُّجى أوائل ورد كُنَّ بالأمس نُوما
وتعلم أبناء القرن الحادي والعشرين الشجاعة من مثل قول شاعرها القديم (عنترة) :
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره ولبانه حتى تسربل بالدم
فازورّ من وقع القنا بلسانه وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلّمي
ولا زالت تعلم هذه المعاني ، وغيرها الكثير والكثير ، فَتُحْسِنُ إيصال الفكرة ، وإثارة العاطفة في المتلقين عبر هذه الزمان الطويل ….
إن لغةً كهذه لهي الأحق بالعالمية ، ولهي سيدة اللغات .
ومما يميز العربية عن غيرها الاشتقاق ، وهو أخذ كلمة أوأكثر من كلمة أخرى ، كقولنا : كتابة ، وكتب ، ويكتب ، واكتب ، وكاتب ، ومكتوب ، ومكتب ، ومكتبة ، وكتاب …. إلى آخر هذه المشتقات من الجذر (ك. ت. ب) .
وهذه المزية تجعل مشتقات الجذر الواحد أشبه بعائلة واحدة ، يجري في دمائها جميعا شبهٌ من حقيقتها واحد ، مهما تباعدت أواصر الصلة في الحقيقة .
فمثلا ، ثمة أواصر قربى بين كلمات معينة نحو(جنة وجنون وجان ومجن وجنين) ، رغم ما يبدو في الحقيقة من تباعد في معانيها ؛ فأواصر القربى تستمدها تلك الكلمات من كونها تنحدر جميع من أصلٍ واحدٍ ، هو : الجذر (ج .ن .ن) ، وقد ترتب على هذا سريان روح من المعنى الواحد والحقيقة الواحدة في كل هذه الكلمات ، إنه معنى الاستتار والخفاء ؛ فالجنة غيب مخفي مستور عن العيون ، وأي جنة من جنان الدنيا المشاهدة ، نُزّلتْ لسمو منزلتها منزلة ما خفي سر جماله عن الإدراك ، والجنون خفاء العقل ، والجان ، أمر خفائه لايخفى ، والمجن تُرس يقي المحاربُ به نفسه بالاستتار وراءه ، والجنين مخفي في رحم أمه … وهكذا .
كذلك فإن للاشتقاق وظيفة مهمة في الإيجاز ، والتعبير عن الكثير من المعاني في القليل من المباني ، وتتجلى أهمية هذه الوظيفة في قولنا مثلا : (تحجّر الشيء) ، باشتقاق الفعل (تحجر) من الاسم (حجر) ، ولو لم تكن خاصة الاشتقاق في العربية لعبرنا عن هذا المعنى بقولنا : (صار الشيء حجرا) ، ولفقدت العربية تعبيرا آخر لهذا المعنى ، ولفقد الأدباء والكتاب تصرفا جديدا للمبنى الواحد ، ولضاع عليهم بديلا إضافيا يمكن أن يستعينوا به لغرض من أغراضهم الأدبية ، كالإيجاز والتسجيع وحسن التقسيم … إلى آخر هذه الأغراض التي قد يتطلبها الإبداع الأدبي في موضع من المواضع .
هذا مع ملاحظة أن هذا النوع من الاشتقاق أحد أربعة أنواع من الاشتقاق ، وهذا صغيرهم !!!
