القَمَرُ الْحَزِينُ
بقلم
أ.د أحمد جمال الدين
في ليلة من ليالي الاغتراب الحزين ، وقبل نوم كنوم الموتى بعد آهات الأنين ، ومن شرفةِ حجرتي الساكنة ِسكون المتوعدين ، وعقاربِ ساعتي تدب دبات شيخٍ واهنٍ هده الحنين .
وأثقلته وحشة الوحدة في هذا المكان منذ أمد بعيد … أبصرتُك ، أبصرتُكَ أيها القمر الحزين على نفس البساط الأزرق الذي اعتدت أن أراك عليه في وطني .
ولكنك كنت على غير ما عهدتك عليه …
لقد كنت باسمًا سعيدًا ، تأنس بكل ما حولك من هدوء وصخب ، من جن وبشر ، من هواء ومطر ،
ما الذي غيّر حالك أيها القمر الصديق ؟
ما الذي صفّر وجنتيك بدموع الحزن الدفين ؟
لقد كنت ألتمس فيك أُنس وحدتي ، ورفيق صبوتي ، ومبدد وحشتي ، ومهوِّن كربتي ، فأنا، كما تعلم، كان لي حبيبٌ أحبه أعمق ما يكون الحب ، وأجِلُه أجلَّ ما يكون الإجلال , كنا نلتقى على مرأًى ومسمعٍ منك ، تسقط أشعتك اللجينية على مرآة عينيها ، فينجذب قلبي حنينًا وشوقًا إلى وجنتيها ، كنت ترانا وكنا نأنس بمرآك . كنت ترانا وكنا نهيم في حضرتك وبهاك …
والآن فرّق بيننا الزمان ، وحالت بين قلبينا حدود المكان ، وذُبِحْنا بسكين غربةٍ لاترحم الإنسان . فصرتُ في مكان وصارتْ هي في مكان , وها أنت كما أنت , تراني وتراها ، وأراك وتراك , فإن كانت تنظر إليك الآن وتستعيد ما كان بيننا من ذكريات ، فأعلمها أنني أنا أيضا أنظر إليك الآن ، وأذكرُها وتمزق قلبيَ الأشجان ، وإن لم تكن ناظرة إليك وزحف إلى قلبها النسيان ، فأنِر قلبها ؛ كي تبصرني ماثلاً فيه أنسج اسمها بدمي على أوتار قلبي علَّها تذكرني , تذكر صَبًّا أضناه الهوى ، وأدمته تباريح البعد والنوى ، تذكر قلباً غرق في بحر حبها ، واستعذب العذاب رضاء قلبها .
ذكّرها ياقمري الصديق ، ولا تحزن لما آل إليه أمري من وحدة قاتلة وهدوء مخيف ، في غرفتي الصغيرة ، التي أبصرك من شرفتها الكبيرة .
لا تحزن أيها القمر ؛ فأنت بوجهك الوضَّاء السعيد تبعث بقلبي الأمل في اللقاء واستئناف السعادة تحت ناظريك ، عندما تتراقص أشعتك اللجينية في مرآة عينيها ، فتجذب قلبي أشعة الحنين والشوق من قلبي نحو وجنتيها .
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة] أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق Copyright, 1997 – 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved |
