اَلْقَمَرُ اَلسَّعِيْدُ

بقلم

الدكتور أحمد جمال الدين القاضي

ظل الغريب مكبًّا على وجهه في غرفته المظلمة ، لا يسمع صوتًا سوى صوت أنفاسه لا يبصر وجهًا سوى وجه أحبابه , أولئك الذين ضلَّ عنهم وضلُّوا عنه .  فإذا وجوههم البشة السعيدة أطيافُ ذكرى تبعث الآلام من مرقدها ، وتستنفر الدموع من محجرها ، وتتركه كمداً لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد . قابعٌ لا يؤنس وحدته سوى مثيله في الوحدة : قمرِ المدينةِ الحزينِ ، ذلك الذي كان يراه بين أحبابه ، مثلهم ، مفترَّ الثغر، قرير العين ، منتشي الفؤاد ، يكاد يطيرُ من فرحٍ ، فيخترقُ حُجُبَ السماء ، ليحلق في آفاقٍ علويةٍ لا يُدْرَى مداها ولا يُدْرَى مبتداها من منتهاها . ظل الغريب على هذا الحال ، وقمرُه الحزينُ يبكي ، لا يعلم أيبكي على وحدته في سمائه العلوية أم يبكي على صديقه الحزين في زنزانته الفردية ؟
وبينا الغريب مكبًّا وجهه على طاولتِه لا يرى إلا وجهه في مرآة دموعه ، إذ برق القمر وأنار، واندفع الريح واستثار ، وتراقصت الأشجار والأزهار ، وتقهقرت الأحزان تبغي الفرار ، وسَرَتِ السعادةُ صَوْبَ الغريب تزلزل أركان همٍّ أطال, فهَمَّ لا يدري أحلم يعيش أم السعدُ أتي بعد انتظار؟! فرفع بصره  ليرى قمره الحزين مطلًا من علياء السماء ، وقد التفت النجوم من حوله ووجهه قد أضاء ، والسعد حل في كل الأجواء  ، وبدا  كعروسٍ تناثرت تحت قدميها جواهر ذات لألاء . فسأله الغريب : أيها القمر الحزين ما الذي أسعدك , وبدل حالتك؟!
أجاب القمر: صديقي الحزين ، ألا ترى أن وحدتي قد زالت ؛ فالنجوم قد التفت من حولي وأنا قابعٌ في محلي . فبادره الغريب قائلاً : هنيئا لك يا صديقي الحبيب فلتسعد ولتقهر غيامات الأحزان ، فلتسعد ولتبدد سحب الهموم من قلب كل إنسان ، علَّكَ تشرق في نفسي بنور السعادة التي حرمت منها مذ فارقت أحبابي . قال القمر السعيد : صديقي الحزين إذا فشلنا في تحقيق آمالنا في الحقيقة فلنحيها في الخيال , اذهب ونم واحلم أنك بين أحبابك تسعد برؤياهم عش في الحلم ما لم تستطع أن تعيشه في الحقيقة . سكن الصديق الحزين ، وجلس على طاولته وأخذت تتردد أصداء حديث القمر إليه ، حتى غشيه النعاس ، فرأى فيما يرى النائم حبيبته تمسك بعصًا سحريةٍ تضعها على جراح قلبه فتشفى ، وعلى دموع عينه فترقا ، وعلى وجهه العبوس فيضيء بنور الأمل والسعادة ، وقد نزل القمر من سمائه وتلألأت النجوم من حوله في موكب عرس بهيج . صحا الغريب من نعسته الحالمة فإذا بحبيبته بين يديه ، وإذا الدنيا كما رآها في المنام وإذا به وبقمره الحزين قد صارا سعيدين .
Fediverse reactions

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *