[youtube https://www.youtube.com/watch?v=PsnbWB7QeGI?si=20-FXDFztSq8WK1j&start=3&w=560&h=315]
مِن حُبِّها أَتَمَنّى أَن يُلاقِيَنيمِن نَحوِ بَلدَتِها ناعٍ فَيَنعاها
كَيما أَقولُ فِراقٌ لا لِقاءَ لَهُوَتُضمِرُ النَفسُ يَأسًا ثُمَّ تَسلاها
وَلَو تَموتُ لَراعَتني وَقُلتُ لَهايا بُؤسَ لِلمَوتِ لَيتَ الدَهرَ أَبقاها

استطاع الشاعر أن يحرك صورة لمحبٍّ ولِهٍ ، أعيته حيل نسيان محبوبته ، التي يلحُّ طيفها على فؤاده ، فلا هو يظفر بلقاها فتهدأ نفسه ، ولا هو يفقد الأمل في رؤاها فينساها مع الأيام ، ثم بعد عنائه الطويل وكمده الثقيل ، يسعفه فكره بأغرب فكرةٍ ، يمكن أن تخطر في بال محبٍّ مولَعٍ بحبيبه ، إنها فكرة تمني موت الحبيب ، نعم تمني موت روحه التي استولت على مهجة فؤاده ، فالموت إذ تبدو عوارضه من قِبَل بلدة الحبيب ، سيحزنه ، لاشك ، لكنه يراهن على الزمان الذي سينسيه إياها تحت طغيان اليأس .

ثم ينقُضُ هذه الفكرة بفزعه من خطر الروع الذي سيُلْقَى في نفسه إذا وقع بالفعل موتُها ، لأن وجع المحب سيظل يصرخ بين جنباته ، ناطقًا على لسانه بتمني بقائها ، فلا هو مستريحٌ بتمني موتها ، ولا هو مستريح بحرمانه عند بقائها .

وقد تضافرت المستويات اللغوية في التعبير عن لواعج الحزن التي تعتصر قلب الشاعر ، وحيرته في نشدان راحته المفقودة …


المستوى الصوتي :

تتضافر المدود في الشطر الأول من البيت الثاني مع صوت القاف ؛ مبرزَيْن معًا دلالة علوِّ الصوت المتمثلةَ في المدود ، التي لاتكاد تتفلت منها كلمة ، مع دلالة القوة والتعالي المتمثلة في صوت القاف ، وكأن الشاعر يُعْلِي صوته بوجدان حلٍّ لحيرته ووله قلبه بمحبوبته إعلاءً فيه تعالٍ على الأحزان ، وصرامةٌ في مواجهة حيرته ، عن طريف الفراق الذي لا لقاء له .

إلا أن ثمَّة تضافرًا صوتيًّا في الشطرالثاني من البيت نفسه ، يكشف عن حقيقة ما أضمرته نفس الشاعر من ضعفٍ وخور ، فهمس السين وأختها الثاء يشيع إحساسًا بانكسار نبرة الشاعر المتعالية ، ورخاوة قوة الشاعر المصطنعة . وكأنها عندما يشرح علة رغبته في موتها وحصول الفراق الذي لا لقاء له تراجعه نفسه من الداخل ، فخرجت العلة مهموسةً منكسرةً انكسار من يتردد في صدق رغبته وقناعته بالعلة التي يذكرها .

المستوى الصيغي :

توالت صيغ الفعل المضارع المعبرة عن استمرار محاولات الشاعر إيجاد حل للعذاب الذي يعيشه ، والحيرة التي تُتْلِفُ فكره ، جراء ولهه بحبيبته ، بدءًا من تمني موتها ، مرورًا بملاقاة الناعي ، الذي ينعاها ، وقوله (فراق لا لقاء له) ، وحالة إضماره يأسًا يعقبه نسيان ، ثم حصول موتها الذي يرغبه ؛ كي يستريح .

فكل هذه الأفعال (أتمنى ، يلاقيني ، ينعاها ، أقول ، تضمر (النفس) ، تسلاها ، تموت) تعبر عن حركة مستمرة تعكس اضطراب الشاعر وحيرته إزاء أزمة المحب المحروم من الظفر بمحبوبه .

ثم تبرُزُ لأول مرة أفعالاً ماضية ثلاثة هي (راعتني ، قلت ، أبقاها) لتبرز تحقُّقَ حصول الروعِ الذي سيصيب نفسه لا محالةَ لو تحققت رغبته في موتها ، وتحقُّقَ نقمتِه على ذلك الموت الذي استجاب له وأخذها من حياته ، وتمنيه بقاءها .

فنحن أمام أحداثٍ مستمرة متتابعة من محاولة نسيان محبوبته يعكس اضطراب روحه ، تعبر عنها الأفعال المضارعة ، في مقابل التعبير بالأفعال الماضية ، عن حقائق لاشك فيها تعكس عذابه المتحقق أيضًا إذا نجحت خطته بتحقُّقِ النسيان بموتها .

المستوى المعجمي :

تشتمل الأبيات على مجموعة من المفردات ذات المعاني المعجمية والوظيفية ،التي تشيع جوًّا من الإحساس بالأمل والحرمان والأحزان ، كما في (أتمنى ـ ليت ـ لو ـ ناع ـ ينعاها ـ فراق ـ لقاء ـ تضمر ـ يأس ـ تسلى ـ تموت ـ راع ـ بؤس ـ الموت) .

المستوى التركيبي :

تضافر المستوى التركيبي مع المستويات اللغوية السابقة في إبراز عاطفة الشاعر ، وذلك من خلال المظاهر التركيبية كالتقديم والتأخير والفصل بين المتلازمين النحويين ، والعطف والوصف ، وذلك وفق البيان التالي .

كان للتقديم والتأخير أثرٌ واضح في التعبير عن إحساس الشاعر ، حبًّا للمحبوبة ، وترددًا في جريان أمنيته الغريبة على لسانه ؛ فقد قدم الشاعر مركب الجر (من حبها)على فعل التمني (أتمنى) ؛ ليصير متصدرًا الأبيات ، وكأنه يدفع عن نفسه ابتداء الاتهام بضعف حبه ، لاسيما في ظل هذه الرغبة الغريبة التي سيفجؤنا بها بعد قليل ، والتي يعبر فيها عن أمنية لم تجر العادة بين المحبين أن يتمناها محبٌّ ولا تُتَوقَّعُ منه تجاه حبيبته ، ألا وهي تمني موتها .

ثم تأخير الفاعل (ناعٍ) على مركب الجر (من نحو بلدتها) المتعلق بالفعل (يلاقيني) ؛ حتى صار الفاعل (ناعٍ) ، والمعطوف على الفعل (فينعاها) آخر البيت ، وكأنه يبطِّئ التصريح بألفاظ النعي ، ويؤخرالتعبير عن أمنيته ؛ تحرُّجًا من ذكرها ؛ لإدراكه غرابتها ، وأنها لا تناسب ما افتتح به البيت من حب .

والفصل بين الفعلين المتعاطفين في البيت الأول (يلاقيني) آخر الشطر الأول ، و(فينعاها) آخر الشطر الثاني ، إجراء آخر يؤكد ما ذكرناه من تردده في التصريح بألفظ النعي ، وتأخير التعبير عن أمنيته .

واستخدام الشاعر جملة الوصف (لا لقاء له) ، صفةً للفراق ، وهي تؤدي المعنى نفسه ، يفيد توكيد رغبة الشاعر في الفكاك من عذاب الحب الذي يبدو أنه فاق احتماله ، حتى دفعه إلى التخلص منه بتمني موتٍ يعقبهُ فراقٌ لا لقاء له .

ولكن هل ستسلم له خُطتُه ؟ يجيب عن هذا السؤال العطف بـ(ثم) بين اليأس من اللقاء الذي سيطول استطالة (ثم) ، ليعقبه بعد فترة السلوُّ والنسيان ، وهو ما يؤكد تمكنَ الحب في قلبه ؛ فالنسيان االذي ينشده بأمنية الموت لن يأتي سريعًا ، وإنما سيأتي بعد فترة من عذابات اليأس ، وكأنه أراد أن يهرب من عذاب الحب مع الحرمان ، ليقع في عذاب اليأس مع الفقدان .

ثم يأتي البيت الأخير ليبين أن هذا السلوَّ والنسيان ، الذي سيأتي بعد فترة من عذاب اليأس ، وهمٌ وسراب ؛ لأن حبيبته لو ماتت كما يتمنى لفُزِّعَتْ نفسُه ، فزعًا يُنطق لسانَه بالتفجُّع على الحبيبة ، وتمني بقائها من الدهر .

وبذلك تكون خُطَّتُهُ قد فشِلت تمام الفشل ، فلا هو مستريحٌ بعدم لقاها وطغيان تذكرها في حياتها ، ولا هو مستريحٌ باليأس والأحزان بذكراها بعد موتها .

Fediverse reactions

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *