المسألة الثالثة ــ الترتيب بينهما :
الأصل تقدم المبتدأ على الخبر ، وقد يتقدم الخبر على المبتدأ لغرض فني ، كقول الشاعر :
ممزقٌ أنا لا جاهٌ ولا ترفٌ يغريك فيَّ فخليني لآهاتي
حيث أراد الشاعر أن يصدِّرَ إحساسه بالتمزق الذي تتوارى ذاتُه (أنا) وراءه .
والجواز مبنيٌّ على وجود القرينة التي تفرق بين المبتدأ والخبر ، وهي قرينة تعريف المبتدأ وتنكيرة الخبر ، أما إذا استوى المبتدأ والخبر في التعريف ، فالمقدَّم هو المبتدأ والمؤخر الخبر ، كما في : أخي صديقي .
ولكن ثمَّةَ أحوالٌ يجب التزام الأصل ، وهو تقدم المبتدأ على الخبر ، دون عكس ، وهي :
- الاستواء في التعريف أو التنكير :
وقد أشرنا إليه آنفًا ، كما في (أخي صديقي) ، فكون المبتدأ والخبر معرفتين يُجمِّدُ التركيب بمعنى أنه لا يجوز عكس الترتيب ، مع بقاء نفس الإعراب ، كما في (ممزق أنا) التي يجوز فيها العكس مع بقاء الإعراب ، فـ (أخي) مبتدأ ، و(صديقي) الخبر ، وعند العكس (صديقي أخي) تصير صديقي المبتدأ و أخي الخبر . فعكس الترتيب يجعلنا أمام جملة جديدة بإعراب جديد بمعنًى جديد .
فجملة (أخي صديقي) معناها أن الأخ المعروفة أخوته للمخاطب ، ما لم يكن يعلمه المخاطب هو أنه أيضًا صديقي ، وليس فقط ما انتهى إليه علمك من كونه أخي .
أما جملة (صديقي أخي) : غأنا أخبر المخاطب بخبر آخر غير الأول ، وهو أن هذا الي تعلم أيها المخاطب أنه صديقٌ لي ، الذي لا تعرفه أنه أخي وليس مجرد صديقي .
وكذلك الاستواء في التنكير ، فإذا قلنا (أفضل مني أفضل منك) ، وللسبب نفسه .
إلا أنه قد تُعرب المعرفة المتقدمة خبرًا ، والمعرفة المتأخرة مبتدأ ، أي عكس ما أوجبناه سابقًا ، في حالةٍ واحدةٍ فقط ، هي إرادة التشبيه ؛ حيث يصير التشبيه قرينةً تجعل المشبه هو المبتدأ وإن تأخر ، والخبر هو المشيه به ، وإن تقدم ، كما في قولنا ، (التلميذ الأستاذ علمًا ) ، فالمعنى التلميذ مثل الأستاذ من حيث العلم ‘ فـ (التلميذ) مبتدأ ، و(الأستاذ) الخبر ، ويظل المعنى هو هو لا يتغير عند العكس ، فإذا ما قلنا ؛ (الأستاذ التلميذ علمًا) ، كان المعنى تشبيه التلميذ بالأستاذ ، يعني يظل التلميذ مبتدأ مع التأخيروالأ ستاذ خبرًا مع التأخير .
ومثلل ذلك قول الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعد
فالمراد أن (بنو أبنائنا) مثل (بنونا) ، فـ (بنونا) مبتدأ مؤخر ، و(بنو أبنائنا) خبر مقدم ، مع استوائهما في التعريف ، وذلك لقرينة التشبيه . - كون الخبرمحصورًا في المبتدأ :
كما في : ما محمدٌ إلا رسول ، إنما أنت نذير
3. كون المبتدأ من ألفاظ الصدارة كاسمي الاستفهام (من) و (ما) و(لام) الابتداء :
نحو : من في الدار ؟ و ما عمله ؟
للآخرة خيرٌ لك من الأولى
4. كون بالخبر ضميرٌ يعود إلى المبتدأ :
وذلك لئلا يعود الضمير على متأخر ، كما في : الحديقة أزهارها متنوعة .
5. كون الخبر جملة فعلية :
لأن التقديم يحول الجملة الاسمية إلى فعلية ، كما في : العلم يرفع وعي الإنسان بقضايا وطنه .
أما عن مواضع تقديم الخبر على المبتدأ وجوبًا فهي :
- أن يكون الخبر شبه جملة والمبتدأ نكرة :
كما في : (عند زيدٍ نمرةٌ) (وفوق كل ذي علمٍ عليم ) (في التأني سلامة)
2. أن يكون المبتدأ محصورًا :
كما في قوله تعالى : (ما عليك إلا البلاغ) ، وقولنا : (إنما في البيت أحمد) .
3. أن يكون الخبر من ألفاظ الصدارة :
نحو : أين المفر؟ أيان مرساها ؟ متى نصر الله ؟
4. أن يكون بالمبتدأ ضميرٌ يعود على الخبر :
نحو : في البيت صاحبه ، فمركب الجر خبر مقدم ، وصاحبه مبتدأ مؤخر .
وقول الشاعر :
أهابك إجلالاً وما بك قدرة عليَّ ولكن ملء عين حبيبها
فـ (ملء عين) خبر مقدم و(حبيبها) مبتدأ مؤخر .
المسألة الرابعة ــ حذف أحدهما :
الأصل ذكر المبتأ والخبر ، إلا أن أحدهما يمكن حذفه جوازًا إذا دلَّ عليه دليلٌ من الكلام ، نحو قولك : (مريض) ، جوابًا عن سؤال : كيف حالك؟ والتقدير: (أنا مريض) ، فحذف المبتدأ ؛ لدلالة الكلام عليه . وكذلك قولك : (زيد) ، جوابًا عن سؤال : من عندك؟ والتقدير : (زيدٌ عندي) فحذف الخبر ؛ لدلالة الكلام عليه .
ولكن ثمةَ مواضع لحذف المبتدأ وجوبًا ، وهي :
1. النعت المقطوع عن تبعية المنعوت المجرور أو المنصوب :
وهوأسلوبٌ معروفٌ عند الفصحاء يخرج فيه النعت عن تبعيته الإعرابية المألوفة للمنعوت ، وهذا الخروج يكون بالرفع أو النصب في سياقات المدح أو الذم أو الترحم ، نحو : (قرأت كتاب الخصائص لابن جني أديبُ (أو أديبَ) النحاة ، ولا أحب القراءة لذوي الشطحات المتفلتون (أو المتفلتين) في آرائهم ، وأشفق على أبناء أمتي المنبهرون (أو المنبهرين) بهذه الشطحات غير المنضبطة) .
فهذه النعوت الثلاثة (أديب والمتفلتون والمنبهرون) لم تأت تابعةً لمنعوتاتها المجرورة ، وإنما أتت منقطعةً بالرفع أو النصب ، في سياقات المدح والذم والترحم على الترتيب ؛ وذلك لجذب المتلقي ، ولفت انتباهه إلى هذه النعوت ؛ نظرًا لبروزها الشديد عند المتكلم وأهميتها الخاصة لديه . وهذه النعوت تعرب حال الرفع خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبًا ،وتعرب حال النصب مفعول به لفعلٍ محذوف وجوبًا تقديره (أمدح أو أذم أو أترحم ).
2. الاسم المخصوص بالمدح أو الذم :
كما في قولنا : نعم الرجل الصادق ، وبئس الصديق الكذاب .
فـ(الصادق والكذاب) اسمان مخصوصان بالمدح والذم على الترتيب ، ويجوز في إعرابهما وجهان ، الأول : مبتدأ مؤخر ، والجملة قبله خبر مقدم ، والثاني (وهو الذي يعنينا هنا) أن يُعْربَ خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره : (هو) .
3. المصدر المرفوع النائب عن المصدر المنصوب :
كما في قولنا : صبرٌ جميل ، شكرٌ جزيل ، عملٌ نافع
فهذه المصادر المرفوعة خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا تقديره : حالي أو صبري وشكري وعملي . وكان أصل هذه التراكيب المصادر المنصوبة ، والتقدير : أصبر صبرً ، وأشكر شكرًا ، وأعمل عملاً ، إلا أن التعبير بالجملة الاسمية يفيد ثيوتًا لا تفيده الجملة الفعلية الأصلية .
4. الإشعار بالقسم :
والإشعاربالقسم تتحقق بأن يكون معلوماً فى عُرف المتكلم والمتلقي ولكنه ليس من الألفاظ الصريحة في القسم ، نحو : فى ذمتى لأقولن الحق ، وفي رقبتي لا أزيفن الحقيقة . والتقدير : (في ذمتي قسمٌ) و (في رقبتي قسمٌ) ، والمبتدأ واجب الحذف .
أما مواضع حذف الخبر وجوبًا ، فهي :
1. التصريح بالقسم :
وصراحته تعني أن يكون اللفظ المعبر عن القسم صريحًا ، بحيث يدرك المتلقي أن ثمة جوابًا للقسم سيأتي بعد اللفظ به ، كــما في : لعمرك إنهم غافلون ، يمين الله لغتنا أشرف اللغات ، وتقدير الخبر المحذوف وجوبًا هو (لعمرك ويمين الله قسمي) .
بعد لولا الامتناعية :
وهي تفيد امتناع جواب الشرط (النتيجة) لوجود الشرط (السبب) .
كما في : لولا الإسلام لعمَّ الظلم ، ولولا دفع الله الناس لفسدت الأرض ، وتقدير الخبر المحذوف وجوبًا هو الكون أو الوجود المطلق العام ، أي لولا الإسلام موجود ، ولولا دفع الله الناس موجود أو كائن .
فإذا كان المعنى يقتضي كونًا خاصًّا ، فإنه يتعين ذكره ، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا السيدة عائشة رضي الله عنها : (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين) ، فامتناعه صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة ليس وجود القوم في عموم الأحوال، ولكن وجودهم في حالةٍ خاصة هي أنهم حديثو عهد بالجاهلية ، فتعين ذكر هذه الحالة الخاصة (الخبر) ؛ لعدم قدرتنا على تقديره ، وللبس الذي سيقع عند حذفه .
3. بعد واو العطف والمعية :
وهي واو عاطفة بمعنى (مع) لزومًا ، كما في : كلُّ طالبٍ وكتابُه ، كلُّ جنديٍّ وسلاحُه ، كلُّ فلاحٍ وفأسُه …
فكل مبتدأ مضاف ، وما بعده مضاف إليه ، والواو عاطفة ومعية ، وما بعدها معطوف على (كل) ، والخبر محذوف وجوبً تقديره متلازمام أو مقترنان .
4.بعد المبتدأ المصدر العامل في معموله ، الذي يليه حال سدت مسد الخبر :
كما في : شربي الماء باردًا ، أكلي الطعام ساخنًا
والتركيب كما نرى : مصدر عامل + معموله + حال سدت مسد الخبر
وأصل هذا التركيب هو : (شربي الماء إذا كان باردا) ، فحُذِف الظرف (إذا) ، وما أضيف إليه (كان التامة) ، وتُرِك (ساخنًا) حالاً سدت مسد الخبر .
ومن المناسب لهذا المقام أن نذكر أن هناك موضع آخر يسد فيه مسد الخبر ، وهو موضع الوصف المعتمد على نفيٍّ أو استفهام قبله العامل الرفع فيما بعده فاعلاً أو نائب فاعل سد مسد الخبر ، نحو : (أقائم الرجلان) (استفهام + وصف عامل + مرفوع الوصف العامل ، وقد سد مسد الخبر) .
