| مِن حُبِّها أَتَمَنّى أَن يُلاقِيَني | مِن نَحوِ بَلدَتِها ناعٍ فَيَنعاها |
| كَيما أَقولُ فِراقٌ لا لِقاءَ لَهُ | وَتُضمِرُ النَفسُ يَأسًا ثُمَّ تَسلاها |
| وَلَو تَموتُ لَراعَتني وَقُلتُ لَها | يا بُؤسَ لِلمَوتِ لَيتَ الدَهرَ أَبقاها |
استطاع الشاعر أن يحرك صورة لمحبٍّ ولِهٍ ، أعيته حيل نسيان محبوبته ، التي يلحُّ طيفها على فؤاده ، فلا هو يظفر بلقاها فتهدأ نفسه ، ولا هو يفقد الأمل في رؤاها فينساها مع الأيام ، ثم بعد عنائه الطويل وكمده الثقيل ، يسعفه فكره بأغرب فكرةٍ ، يمكن أن تخطر في بال محبٍّ مولَعٍ بحبيبه ، إنها فكرة تمني موت الحبيب ، نعم تمني موت روحه التي استولت على مهجة فؤاده ، فالموت إذ تبدو عوارضه من قِبَل بلدة الحبيب ، سيحزنه ، لاشك ، لكنه يراهن على الزمان الذي سينسيه إياها تحت طغيان اليأس .
ثم ينقُضُ هذه الفكرة بفزعه من خطر الروع الذي سيُلْقَى في نفسه إذا وقع بالفعل موتُها ، لأن وجع المحب سيظل يصرخ بين جنباته ، ناطقًا على لسانه بتمني بقائها ، فلا هو مستريحٌ بتمني موتها ، ولا هو مستريح بحرمانه عند بقائها .
وقد تضافرت المستويات اللغوية في التعبير عن لواعج الحزن التي تعتصر قلب الشاعر ، وحيرته في نشدان راحته المفقودة …
المستوى الصوتي :
تتضافر المدود في الشطر الأول من البيت الثاني مع صوت القاف ؛ مبرزَيْن معًا دلالة علوِّ الصوت المتمثلةَ في المدود ، التي لاتكاد تتفلت منها كلمة ، مع دلالة القوة والتعالي المتمثلة في صوت القاف ، وكأن الشاعر يُعْلِي صوته بوجدان حلٍّ لحيرته ووله قلبه بمحبوبته إعلاءً فيه تعالٍ على الأحزان ، وصرامةٌ في مواجهة حيرته ، عن طريف الفراق الذي لا لقاء له .
إلا أن ثمَّة تضافرًا صوتيًّا في الشطرالثاني من البيت نفسه ، يكشف عن حقيقة ما أضمرته نفس الشاعر من ضعفٍ وخور ، فهمس السين وأختها الثاء يشيع إحساسًا بانكسار نبرة الشاعر المتعالية ، ورخاوة قوة الشاعر المصطنعة . وكأنها عندما يشرح علة رغبته في موتها وحصول الفراق الذي لا لقاء له تراجعه نفسه من الداخل ، فخرجت العلة مهموسةً منكسرةً انكسار من يتردد في صدق رغبته وقناعته بالعلة التي يذكرها .
المستوى الصيغي :
توالت صيغ الفعل المضارع المعبرة عن استمرار محاولات الشاعر إيجاد حل للعذاب الذي يعيشه ، والحيرة التي تُتْلِفُ فكره ، جراء ولهه بحبيبته ، بدءًا من تمني موتها ، مرورًا بملاقاة الناعي ، الذي ينعاها ، وقوله (فراق لا لقاء له) ، وحالة إضماره يأسًا يعقبه نسيان ، ثم حصول موتها الذي يرغبه ؛ كي يستريح .
فكل هذه الأفعال (أتمنى ، يلاقيني ، ينعاها ، أقول ، تضمر (النفس) ، تسلاها ، تموت) تعبر عن حركة مستمرة تعكس اضطراب الشاعر وحيرته إزاء أزمة المحب المحروم من الظفر بمحبوبه .
ثم تبرُزُ لأول مرة أفعالاً ماضية ثلاثة هي (راعتني ، قلت ، أبقاها) لتبرز تحقُّقَ حصول الروعِ الذي سيصيب نفسه لا محالةَ لو تحققت رغبته في موتها ، وتحقُّقَ نقمتِه على ذلك الموت الذي استجاب له وأخذها من حياته ، وتمنيه بقاءها .
فنحن أمام أحداثٍ مستمرة متتابعة من محاولة نسيان محبوبته يعكس اضطراب روحه ، تعبر عنها الأفعال المضارعة ، في مقابل التعبير بالأفعال الماضية ، عن حقائق لاشك فيها تعكس عذابه المتحقق أيضًا إذا نجحت خطته بتحقُّقِ النسيان بموتها .
المستوى المعجمي :
تشتمل الأبيات على مجموعة من المفردات ذات المعاني المعجمية والوظيفية ،التي تشيع جوًّا من الإحساس بالأمل والحرمان والأحزان ، كما في (أتمنى ـ ليت ـ لو ـ ناع ـ ينعاها ـ فراق ـ لقاء ـ تضمر ـ يأس ـ تسلى ـ تموت ـ راع ـ بؤس ـ الموت) .
المستوى التركيبي :
تضافر المستوى التركيبي مع المستويات اللغوية السابقة في إبراز عاطفة الشاعر ، وذلك من خلال المظاهر التركيبية كالتقديم والتأخير والفصل بين المتلازمين النحويين ، والعطف والوصف ، وذلك وفق البيان التالي .
كان للتقديم والتأخير أثرٌ واضح في التعبير عن إحساس الشاعر ، حبًّا للمحبوبة ، وترددًا في جريان أمنيته الغريبة على لسانه ؛ فقد قدم الشاعر مركب الجر (من حبها)على فعل التمني (أتمنى) ؛ ليصير متصدرًا الأبيات ، وكأنه يدفع عن نفسه ابتداء الاتهام بضعف حبه ، لاسيما في ظل هذه الرغبة الغريبة التي سيفجؤنا بها بعد قليل ، والتي يعبر فيها عن أمنية لم تجر العادة بين المحبين أن يتمناها محبٌّ ولا تُتَوقَّعُ منه تجاه حبيبته ، ألا وهي تمني موتها .
ثم تأخير الفاعل (ناعٍ) على مركب الجر (من نحو بلدتها) المتعلق بالفعل (يلاقيني) ؛ حتى صار الفاعل (ناعٍ) ، والمعطوف على الفعل (فينعاها) آخر البيت ، وكأنه يبطِّئ التصريح بألفاظ النعي ، ويؤخرالتعبير عن أمنيته ؛ تحرُّجًا من ذكرها ؛ لإدراكه غرابتها ، وأنها لا تناسب ما افتتح به البيت من حب .
والفصل بين الفعلين المتعاطفين في البيت الأول (يلاقيني) آخر الشطر الأول ، و(فينعاها) آخر الشطر الثاني ، إجراء آخر يؤكد ما ذكرناه من تردده في التصريح بألفظ النعي ، وتأخير التعبير عن أمنيته .
واستخدام الشاعر جملة الوصف (لا لقاء له) ، صفةً للفراق ، وهي تؤدي المعنى نفسه ، يفيد توكيد رغبة الشاعر في الفكاك من عذاب الحب الذي يبدو أنه فاق احتماله ، حتى دفعه إلى التخلص منه بتمني موتٍ يعقبهُ فراقٌ لا لقاء له .
ولكن هل ستسلم له خُطتُه ؟ يجيب عن هذا السؤال العطف بـ(ثم) بين اليأس من اللقاء الذي سيطول استطالة (ثم) ، ليعقبه بعد فترة السلوُّ والنسيان ، وهو ما يؤكد تمكنَ الحب في قلبه ؛ فالنسيان االذي ينشده بأمنية الموت لن يأتي سريعًا ، وإنما سيأتي بعد فترة من عذابات اليأس ، وكأنه أراد أن يهرب من عذاب الحب مع الحرمان ، ليقع في عذاب اليأس مع الفقدان .
ثم يأتي البيت الأخير ليبين أن هذا السلوَّ والنسيان ، الذي سيأتي بعد فترة من عذاب اليأس ، وهمٌ وسراب ؛ لأن حبيبته لو ماتت كما يتمنى لفُزِّعَتْ نفسُه ، فزعًا يُنطق لسانَه بالتفجُّع على الحبيبة ، وتمني بقائها من الدهر .
وبذلك تكون خُطَّتُهُ قد فشِلت تمام الفشل ، فلا هو مستريحٌ بعدم لقاها وطغيان تذكرها في حياتها ، ولا هو مستريحٌ باليأس والأحزان بذكراها بعد موتها .
